الأحد، 8 يونيو 2025

الإنسان كائن ذوّاق

 


  

   كلمّا ظللتنا العائلة في رحابها بالأفراح والاتراح، تذكرت الذين صيّرتهم الحياة فرادى بالتيتم أو الهجرة أو النعرات.. كيف لهم أن يحْيوا بذاكرة اجتماعية، تحوي حيواتهم في كهف إنساني، على عرين مشاعري، بتجارب متنوعة تصبُ في تجربة نوعيّة في أي بِقاع؟!

كيف يمكن أن يستشعر المرء نعمة كونه عضواً في جماعة، مادام أنّه لم يعشْ النقيض في حياته؟!

الذين اغتروا والمُغرّر بهم، لم يدركوا الفرق إلا حين ضربت الفِرقة أطنابها!

كما قال ابن خلدون في مقدّمته؛ (الإنسان اجتماعي بطبعه)، وتسمية هذا المخلوق، المدعو إنسان؛ تعني الأنس بما حوله.. بكل شيء حوله!

فالإنسان بكينونته، يأنس بالنبات والنماء والحيوان والبناء والأخذ والعطاء والأرض والماء والأفلاك والهواء والليل والسماء والنهار والأزياء والطقس ومتغيرات الأجواء، والعنصر الأهم قرينه الآخر من جنس آدم وحواء.

إذْ لا يمكن أنْ تكون هناك حياةً كاملةً إذا فقدت عناصر المشاركة في مفازات الأيام! 

وأرى بظني، بأنّ الإنسان كائن ذوّاق، إذ لابد له إلا وأن ينتسب لفئات متعددة، ينتخبها دون شعور، تبثها المشاعر وتنظمها كحبات العنقود، يقوده في ذلك فطرته الوجودية بصنائع متنوعة، تحلّق بجودة حياته بأكثر من ألوان الطيف، وحاملة ألوان الفصول الأربعة، وألوان الفرح والحزن.

ولأنه كذلك، وليس بعد ذلك، بعد أن تزدحم في عوالمه الأشياء، بصخب، بتخمة، بأصداء تتردّد، إلّا أن يذهب كقدرٍ محتوم، تظهر كسلوك محمود، للخلوة، للعزلة، لينتج عالمه الخاص، ويرتّب ما بعثرته الجماعات، ليضع الأطر العامة ويدعم مهاراته وهواياته وقواعده الأساسية التي تغني ملفات قناعاته الذاتية.. فتزوّده بالطاقة، ليعود من جديد.. ويهنأ بكلِّ قريبٍ وبعيد. 

الخميس، 28 نوفمبر 2024

صلاة الاستشفاء




صلاة الاستسقاء، صلوات مِنْ الاستشفاء ..
رجاءات وتلاوات ومأثورات 
تعْكِسُها حبات الرمل
لِندف السُحب ..
هي معايدةٌ تنص على معاهدةٍ  
بأنْ يبقى الطين ثرًى 
طوال الوقت ..
وألّا تنقطع الرياح عن جلب الفرص!
والأرضُ أكْثر ما فتّت مناكبِها
طقوس الأباطيل.. 
وأعوان على فَقْءِ عيونها تجلّت .. 
 
يا رب قابيل وصحراؤنا قفرُ..
قد فعل فعلته وفي الأفقِ متّسعُ!
والشر في الناس والخير في الناس
مات هابيل.. ومات رحم الزرع!
فيا رب ابعث زرعنا بنفعٍ غير ضار
كما تبعث الخلائق في يوم الفصل!


الثلاثاء، 26 نوفمبر 2024

رسالة إلى السيّد الرئيس





   ‏أهلاً السيّد الرئيس

‏أهلاً ترمب

‏صديقنا قبل أربع سنوات لأربع سنوات، عاد ليدوّن الشق الآخر من النجوم الثمانية الرئاسية، في عالم الدبلوماسية الدولية والاقتصاد والأعمال..

‏صديقنا المتجدد ابن الصديقة العظمى، المتجذرة علاقتينا منذ عقود..

‏طاب يومك

‏طابت رئاستك

‏وما هي أوّل دولة ستزرها؟

 

‏   أهلاً السيّد الرئيس، مرّة أخرى ..

‏فالبيت الأبيض يليق بالرجل الأشقر ..

‏يتطلّع العالم في فترة رئاستكم القادمة إلى وقف العنف ونبذ التطرف وإحلال السلام في الشرق الأوسط..

‏القائد العظيم، شكراً لك لأنّك هنا من جديد.

 

   أهلاً السيّد الرئيس، مرّة ثالثة ..

العودة من جديد لم تُعهد من قبلك!

عملت ثمّ استرحت.. وها أنت تعود بنظرات أعمق وأوسع، بلا شك لديك مُدركات جديدة وأمور لم تنجزها من قبل أو لم تُنجز كما ينبغى لها.

نأمل أن تفوز المساعي الخيّرة من خلال تظافر القوى الإنسانية ووتتغلّب على عوالق الشر المتفشية في بقاع شتى من العالم. 

 

   أهلاً السيّد الرئيس، مرّة رابعة ..

العالم أجمع يترقب عن كثب ما سيطرأ من تغيير بشأن سلامة الملاحة العالمية، والتضخم الأقتصادي، والصراع المسلّح بين حزب الله والإسرائليين، والحرب في أوكرانيا، والقوتين المتناحرتين في السودان، وقضية فلسطين القائمة منذ أمدٍ بعيد.. وغيرها.

فالسلام العالمي قد تغرق شراعه في حرب عالمية لا يعلم أحد من أين تبدأ وإلامَ تنتهي، هل ستكن السنوات الأربع القادمة محمّلة بشد أطناب خيمة السلام والتعايش والوفاق العالمي على بؤر متأرجحة هنا وهناك؟! 

بالمناسبة؛ ما أجمل منظر الخيم وبيوت الشَّعر على ربى خضراء وحولها نبت الخُزامى البنفسجي اللون، ذو الرائحة العطرة! 

إنّنا في بلادنا العربية يُشجينا جواً عليلاً كهذا.

 

   مرحباً السيّد الرئيس .. 

مرحباً السيّدات والسّادة الذين ألقوا نظرةً عابرة على جرّة محبرة لقلمٍ من الفيافي السعودية.




الأحد، 2 يونيو 2024

حميد السجايا

 


تلقيت اليوم نبأ وفاة (معلّم المشويات)، فارق الدنيا قبل ستة أشهر.. لا أتذكر اسمه جيداً ولا أعرف جنسيته بالتحديد، كان قصيراً ممتلئاً بعض الشيء، ذو شارب معقوف محفوف دائماً.. لطيف المعشر، وسمح البيع، كريماً في الطلبات الجانبية والسلطات.. تذكرت شريط الأزمنة الذي دار بذاكرتي في اللحظة. 

ما أرخص الأيام التي تبتلع كل شيء! ولا تُبقي ذكرى واحدة لمن نختلف معهم في رأي أو موقف في حياتنا الاجتماعية والعملية.. 

‏كان ذاكرة "المحل" لزبائنه، مضيافاً.. بالطبع لم يُقدّم شيئاً بالمجان سوى لطفه وتباسطه الذي كلفنا -أنا وغيري- ثمن تذكّره، باهضاً!

‏كم الذين يعيشون بيننا على الهامش، وهم يدونون عناوين الأوقات! 

ثم تلتهمهم الأيام، ونكتشف غياب السطر العريض، الذي شاغلتنا عنه العجلة وعدم التروي وثقة الاستمرار.. 

‏رحم الله (حميد) ومن سار على دربه.. ومن يعاشر أمثاله بما يستحق، ومن يتذكّره "والذكرى تؤرّقه".

الجمعة، 19 أبريل 2024

رسالة إلى أخي الأكبر




إلى المولود المفقود في شجرة عائلتي..

إلى أخي الأكبر الذي لم تنجبه الأيام، إلى الآلام التي ما برحت تعبث في الأحشاء، إلى كل شيء تمنيته وحدث ما يعاكسه وأحدث حِرقةً في الوجدان..

إلى الهوّة العميقة التي بين الأجيال..

إلى الفضاء السحيق الذي ما يزال يملأه رفقاء الظلام والضلال والسوء..

إلى الفراغ العظيم الذي يمتد بحجم الأسئلة..

إلى أخي الكبير الذي ما زلت أفتقده، مع مرارات السنين، مع لوعات الزمان، مع عَبرات المواقف..

إلى أخي الذي شق طريقه بجانبه الأيمن، وأخذ يصحبني بيده اليسرى..

إلى أخي الذي سبقني إلى شغاف الحياة، ويأخذني إلى الأخذ بوصاياه..

إلى المحرومين من تلك الرُتبة، إلى المنسيين وسط تخوم متعددة من هذه المنزلة! 

إلى كل فؤاد موؤد.. وكل ودود مفؤود.. وإلى كل حالمٍ أعياه كل ظالمٍ في الوجود ..

يقولون إن الجراح تخمد كالبراكين كلما تقادمت، عبثاً حاولتُ أن أُصدِّقهم..

غير أن جرح افتقادك دوماً يناديني، ينادمني، كلما وقفتُ لحظة ساهمة انتظرُ فكرةً ملهمةً..

أو تجنّب منزلقٍ أو نجاة من سقر..

عبثاً أُحاول..

فكلما علّقتُ تميمتي في قريبٍ أو لصيق.. 

جاءتني الصيحة على شكل خذلان.. على هيئة سلوان.. على تماثيل متعددة بلا مبدأ، وتحمل عنوان: استيقظ ليس لك أخاً أكبر..!

قُمْ على نفسك، أنت لنفسك عَمَد ووتد.. 


الجمعة، 16 فبراير 2024

أسطورة الحبل السحري



    تنقلنا الأسطورة في الحكايات إلى عالم روحي آخر، يشع بالغرائب ويجود بالعجائب ويستمر بالدهشة التي تُحيّر العقول وتأسر القلوب، عدوها الأوحد كل عجول! 

في فلك الأساطير، التمايز على خط الانتشار، مرور القرون رحًى تُديرها على كفوف السائلين في كل عصر.. أسطورة عصرنا مازالت فتيّة، لا أحد يذكرها على الإطلاق بشيء من التطرّف في الوصف، تأخذ دور آخر العنقود.. تكاد تئدها الغيرة! فالأقل شأناً منها لها مزارات وطوابع وتماثيل تذكارية، تملأ رفوف الدور الثقافية، يبروزونها ويبرزونها الناس خلفهم على الحائط أو على طاولة بجوارهم في صورهم المُلتقطة، يقرأ رمزيتها من اطّلع على شواهق التأريخ ودهاليزه..

أسطورة هذا العصر، ينتقل الناس من خلالها في أمكانهم، وتلك الأساطير لا تفعل ذلك، ألا يحقُّ لها أنْ تنفعل؟! 

بل إنها أنشأت قِصصاً غرامية بين جنسين، وخلقت أجواءً مناسبة لتبادل المحبة، وعلى النقيض أوجدت مناخاً ملائماً للحروب الباردة، وتغلغُل القوى الناعمة! 

طائفة المؤمنين في كل الأديان لا يكفرون بها، ليست مارد جن ولا مادة إنس.. هي شيء لا يُشبه أي شيء، وشاخص لا يُرى.. وآثاره الأثيرة والوثيرة شاخصةً للعيان والبيان، تدس السمن في العسل وتدس السُمَّ في كل مذاق، لا تقتل، تُلوّث، وتمنح مزاجاً رائقاً في أكثر الأحوال، بحسب المورد والمصب، تنهال كعرافة تقرأ الكف، كمُنجّمة تقرأ الطالع، تومض، تُقلع، تحط أسفارها في كل بقعة! 

الخيل والليل والبيداء تعرفها -أو كما يقول الشاعر العربي الأصيل ذائع الصيت في القِدم، ويحيا كأسطورة رمزية غارقة في العراقة حتى عصرنا هذا- تربط البحار والقفار ببعضها، وتعبر بها ومن خلالها، غيابها يعني الخروج عن المألوف، تلك هي أسطورتها، بحضرتها يقترب كل ناءٍ بالبعد، تحمل العناوين والأسماء والأسفار والمعاجم والتراجم، والعرب والأعاجم، والأحجار الكريمة والتي بلا قيمة أيضاً، تحوي الإنسان من رأسه حتى أخمص قدميه مروراً بالعجان، بمعية كل الكائنات الحية وغير النابضة بالحياة، تحمل الشيء والوجه الآخر منه في ذات اللحظة مع المريدين والمستنكرين معاً، معها تشعر بأنّك وحيد ومَنْ حولك كآلهة كهنوتية، تحقق مبتغاك دون توسلٍ وعناء صرف عبادة.. ويعتريك شعور تموّجك مع الكثرة كأنك لاشيء، وإن أكبرت نفسك؛ فبالكاد تزن وجودك كحبة رمل وسط كثبان صحراوية مترامية الأطراف!

لا أحد يُصرّح بها عنوة، منذ أنْ أبرزت مفاتنها، تنفرد بمطالعي حكاياتها، يتعرّفون على عوالم في بلاد بعيدة، يتبايعون، يعقدون الصفقات، يقضون ليالي السمر.. 

عندما تتثاءب ينام العالم، وحين تسرع تسرق الانتباه، ومن قبحها في بعض الوقت تأخذ دور السلحفاة؛ ليحتل متفرجي متعتها الضجر وتخرج نتوءاتهم المنزعجة على السطح!

الرابط السحري، الحبل السري لعصب حياة القرن الواحد والعشرين.. شبكة الانترنت وبرامجها وتطبيقاتها، تأخذ مجراها الطبيعي كأسطورة حيّة، ولها أن تختال. 


الخميس، 8 فبراير 2024

وشمٌ على جدار الزمن

 



    العلاقات الطيبة، هي نور الأمل الباقي على الصعيد الشخصي، تتقدم السنين، ومن يطوي على صفحاتها الأثر الجميل، يجد نقوشها رحابةً في صدره، وزكاةً في نفسه، وأشرعةً من فياض.. وحياض من طمأنينة وسلام.
إنّ اللياقة الإيجابية تحتاج إلى دربةٍ ومران لتجتاح كل اليباس لتمنح الإخضرار .. 
من اليسير جداً، العبوس والاكفهرار والإعراض.. لكن الإقبال والبِشْر والتبسم، منهل الرسل العذب، منهج محفوف بأرتال من الأعباء، على أي حال كنت، فأنت ترسل رسالة عبر أزمنتك التي تحياها وتحيا بعدك ..
كم الذين عبروا خفافاً على الأنفس، وجعلوا الأريج يُخالط عطر طيفهم وذكرهم وذكرياتهم، وكم الذين أورثوا الحنظل والمرَّ والعلقم؟! .. ثمة مفارقة!
لا أحداً يريد لشخصه المورد السيئ، فالسيئ بذاته، يرى في نكاله وسواد أفعاله، الخمار الذي يستر عورات الناس!
أو هو مُحطّمُ أصنامٍ طال بها المقام كثيراً، أو يريد صولات الأسود (ولكنه نسي أنّه خارج قانون الغابة).. على أيةِ حالٍ، تتعدد الغايات والخلفيات التي انطلق منها ذاك العابث في النسيج الاجتماعي؛ ونكاد نجد ما يُتّفق عليه؛ أفضى إلى جادة الصواب، وانتهى! 
إذا كان الانتهازيون -في غالب أمرهم- لا يفرقون بين ما هو لائق وغير ذلك، سوى ما يُغذي أنانيتهم.. فإنّ المترفعون عن الدنى والخنى، هم سُراة الناس الذين يبذرون الصدق، ويحقنون النضارة في جسد شيخوخة الزمن، ويؤصلون التعامل، فهم الحضور في زمن التلاشي، والمثال الرفيع للخيط الأبيض بين نُدف الدنس، هم الصفح والصحِة والأحق بالصحبة والذكر. 

يقول الشاعر في الزمن الجاهلي، عدي بن زيد العبادي، في قصيدته التي مطلعها: (أَتَعرِفُ رَسمَ الدَّارِ مِن أُم مَعبِدِ)، اخترت منها: 

أَعاذِلُ ما أَدنَى الرَّشادَ مِنَ الفَتَى 
                                    وأَبعَدَهُ مِنهُ إذا لَم يُسَدَّدِ 
. . .
كَفَى زاجِراً لِلمَرءِ أَيَّامُ دَهرِه 
                               تَروحُ لَهُ بالواعِظاتِ وتَغتَدي
. . .
فَنفسَكَ فاحفَظها مِنَ الغَيِّ والخَنَى
                           مَتَى تُغوِها يَغوَ الَّذي بِكَ يَقتَدي
. . .
عَنِ الَمرءِ لا تَسأَل وسَل عَن قَرينِه 
                                  فكُلُّ قَرينٍ بالُمقارَنِ يَقتَدي 
. . .
إذا ما رأَيتَ الشَّرَّ يَبعَثُ أَهلَهُ 
                                وقامَ جُناهُ الشَّرَّ للشَّرَّ فاقعُدِ 
. . .
إذا كنتَ في قَومٍ فَصَاحِب خَيارَهُم
                    ولا تَصحَبِ الأَردَى فَترَدى مَعَ الرَّدي

ومَنْ مِثل حمدان ؟!

  حتى الذين يعادوننا دون سبب لا نتمنى لهم الموت، فكيف يفعل بنا خبر موت من يطّوقنا نُبْله ويشتاق إلى لقائنا كلّ مدّة، ومن أجل رؤياه -بلا سبب-...