الجمعة، 3 أكتوبر 2025

ومَنْ مِثل حمدان ؟!

 


حتى الذين يعادوننا دون سبب لا نتمنى لهم الموت، فكيف يفعل بنا خبر موت من يطّوقنا نُبْله ويشتاق إلى لقائنا كلّ مدّة، ومن أجل رؤياه -بلا سبب- نحثُ الخطى ووسائل الاتصال؟! 

صدوق صديق يكاد يكون للوالد شقيق، ورفيق لم يتغير مع غِمار السنين.. 

رحم الله حمدان، ومَنْ مثل حمدان بن فيصل بن وندان ..؟!

إنسان يجلّنا ونُجلّه، نفتقده اليوم إذ نعتبره -عمٌ لنا- وإحدى الحالات النادرة في الوجود، الخاصة الخالصة السامية الرفيعة، الغاصة بالحلق في آنٍ معاً.. وسنظل نذكره ما حيينا كأنّه معنا!

كيف تموت الضَحِكات التي قاسمنا إياها، وليال السمر كيف ترحل؟! والوصال الذي بيننا يجرُّ نصال الوقت كلّما عليه ترحّمنا! 

كيف ننسى؟!

كيف نسلى؟! 

في مساء الاثنين، حين حلّت ساعة الوداع، اشتعلت الأفئدة وعكست بالتضاد لحظات الأُنس التي كان ينثرها بنقيضها من الحزن والأسى. 

آمنّا بربِّ الأحياء والأموات، وليس بوسعنا دفع مالا في مقْدرتنا دفعه عنّا أو منحه فرصة التأجيل أو تأمين بديل؟ 

كان -تغمّده الله بواسع مغفرته- ثمرة التجارب، فاكهة مجلس، كريم نفس، درع في مجابهة الأيام، بطاقة أمان ضد الخيبات، منصّة عرض للسعادة.. وستبقى ذكراه شِراعنا المجدّف في بحر أعمارنا الباقية! 

أنقى من الماء قلبه، وأصفى من الذهب المصفى أصله، أزكى من الأطياب وصفه، وينعدم في الجلاس رسمه.

نُعزّي أنفسنا وذويه لأنّ الأيام ليست كريمة بمثله، نرثيه لأنّ رحيله طوى جزء من ذكرياتنا البهيجة، نبكيه لأنّ التذكّر وحش لا يغفو له طرف!

نبكيه لأنّنا نبكي العمر الذي ضاع منّا، نبكيه لأنّنا نبكي أرواحنا التي فاضت معه، ففَقْد الأحبة موت مُعجّل لمفتقديهم وإن طال الأمد! 

فليرحم الرَّب حمدان، ومَنْ بقلب حمدان، ومَنْ بروح حمدان، ومَنْ بوصل حمدان، ومَنْ سار على نهج حمدان، ومَنْ فُجِع بحمدان ..


فلله الحمد من قبل ومن بعد، ونسأله للغالي العزيز أعالي الجِنان.


* حزن الاثنين 7 / 4 / 1447هـ - 29 / 9 / 2025م

الأحد، 8 يونيو 2025

الإنسان كائن ذوّاق

 


  

   كلمّا ظللتنا العائلة في رحابها بالأفراح والاتراح، تذكرت الذين صيّرتهم الحياة فرادى بالتيتم أو الهجرة أو النعرات.. كيف لهم أن يحْيوا بذاكرة اجتماعية، تحوي حيواتهم في كهف إنساني، على عرين مشاعري، بتجارب متنوعة تصبُ في تجربة نوعيّة في أي بِقاع؟!

كيف يمكن أن يستشعر المرء نعمة كونه عضواً في جماعة، مادام أنّه لم يعشْ النقيض في حياته؟!

الذين اغتروا والمُغرّر بهم، لم يدركوا الفرق إلا حين ضربت الفِرقة أطنابها!

كما قال ابن خلدون في مقدّمته؛ (الإنسان اجتماعي بطبعه)، وتسمية هذا المخلوق، المدعو إنسان؛ تعني الأنس بما حوله.. بكل شيء حوله!

فالإنسان بكينونته، يأنس بالنبات والنماء والحيوان والبناء والأخذ والعطاء والأرض والماء والأفلاك والهواء والليل والسماء والنهار والأزياء والطقس ومتغيرات الأجواء، والعنصر الأهم قرينه الآخر من جنس آدم وحواء.

إذْ لا يمكن أنْ تكون هناك حياةً كاملةً إذا فقدت عناصر المشاركة في مفازات الأيام! 

وأرى بظني، بأنّ الإنسان كائن ذوّاق، إذ لابد له إلا وأن ينتسب لفئات متعددة، ينتخبها دون شعور، تبثها المشاعر وتنظمها كحبات العنقود، يقوده في ذلك فطرته الوجودية بصنائع متنوعة، تحلّق بجودة حياته بأكثر من ألوان الطيف، وحاملة ألوان الفصول الأربعة، وألوان الفرح والحزن.

ولأنه كذلك، وليس بعد ذلك، بعد أن تزدحم في عوالمه الأشياء، بصخب، بتخمة، بأصداء تتردّد، إلّا أن يذهب كقدرٍ محتوم، تظهر كسلوك محمود، للخلوة، للعزلة، لينتج عالمه الخاص، ويرتّب ما بعثرته الجماعات، ليضع الأطر العامة ويدعم مهاراته وهواياته وقواعده الأساسية التي تغني ملفات قناعاته الذاتية.. فتزوّده بالطاقة، ليعود من جديد.. ويهنأ بكلِّ قريبٍ وبعيد. 

الخميس، 28 نوفمبر 2024

صلاة الاستشفاء




صلاة الاستسقاء، صلوات مِنْ الاستشفاء ..
رجاءات وتلاوات ومأثورات 
تعْكِسُها حبات الرمل
لِندف السُحب ..
هي معايدةٌ تنص على معاهدةٍ  
بأنْ يبقى الطين ثرًى 
طوال الوقت ..
وألّا تنقطع الرياح عن جلب الفرص!
والأرضُ أكْثر ما فتّت مناكبِها
طقوس الأباطيل.. 
وأعوان على فَقْءِ عيونها تجلّت .. 
 
يا رب قابيل وصحراؤنا قفرُ..
قد فعل فعلته وفي الأفقِ متّسعُ!
والشر في الناس والخير في الناس
مات هابيل.. ومات رحم الزرع!
فيا رب ابعث زرعنا بنفعٍ غير ضار
كما تبعث الخلائق في يوم الفصل!


الثلاثاء، 26 نوفمبر 2024

رسالة إلى السيّد الرئيس





   ‏أهلاً السيّد الرئيس

‏أهلاً ترمب

‏صديقنا قبل أربع سنوات لأربع سنوات، عاد ليدوّن الشق الآخر من النجوم الثمانية الرئاسية، في عالم الدبلوماسية الدولية والاقتصاد والأعمال..

‏صديقنا المتجدد ابن الصديقة العظمى، المتجذرة علاقتينا منذ عقود..

‏طاب يومك

‏طابت رئاستك

‏وما هي أوّل دولة ستزرها؟

 

‏   أهلاً السيّد الرئيس، مرّة أخرى ..

‏فالبيت الأبيض يليق بالرجل الأشقر ..

‏يتطلّع العالم في فترة رئاستكم القادمة إلى وقف العنف ونبذ التطرف وإحلال السلام في الشرق الأوسط..

‏القائد العظيم، شكراً لك لأنّك هنا من جديد.

 

   أهلاً السيّد الرئيس، مرّة ثالثة ..

العودة من جديد لم تُعهد من قبلك!

عملت ثمّ استرحت.. وها أنت تعود بنظرات أعمق وأوسع، بلا شك لديك مُدركات جديدة وأمور لم تنجزها من قبل أو لم تُنجز كما ينبغى لها.

نأمل أن تفوز المساعي الخيّرة من خلال تظافر القوى الإنسانية ووتتغلّب على عوالق الشر المتفشية في بقاع شتى من العالم. 

 

   أهلاً السيّد الرئيس، مرّة رابعة ..

العالم أجمع يترقب عن كثب ما سيطرأ من تغيير بشأن سلامة الملاحة العالمية، والتضخم الأقتصادي، والصراع المسلّح بين حزب الله والإسرائليين، والحرب في أوكرانيا، والقوتين المتناحرتين في السودان، وقضية فلسطين القائمة منذ أمدٍ بعيد.. وغيرها.

فالسلام العالمي قد تغرق شراعه في حرب عالمية لا يعلم أحد من أين تبدأ وإلامَ تنتهي، هل ستكن السنوات الأربع القادمة محمّلة بشد أطناب خيمة السلام والتعايش والوفاق العالمي على بؤر متأرجحة هنا وهناك؟! 

بالمناسبة؛ ما أجمل منظر الخيم وبيوت الشَّعر على ربى خضراء وحولها نبت الخُزامى البنفسجي اللون، ذو الرائحة العطرة! 

إنّنا في بلادنا العربية يُشجينا جواً عليلاً كهذا.

 

   مرحباً السيّد الرئيس .. 

مرحباً السيّدات والسّادة الذين ألقوا نظرةً عابرة على جرّة محبرة لقلمٍ من الفيافي السعودية.




الأحد، 2 يونيو 2024

حميد السجايا

 


تلقيت اليوم نبأ وفاة (معلّم المشويات)، فارق الدنيا قبل ستة أشهر.. لا أتذكر اسمه جيداً ولا أعرف جنسيته بالتحديد، كان قصيراً ممتلئاً بعض الشيء، ذو شارب معقوف محفوف دائماً.. لطيف المعشر، وسمح البيع، كريماً في الطلبات الجانبية والسلطات.. تذكرت شريط الأزمنة الذي دار بذاكرتي في اللحظة. 

ما أرخص الأيام التي تبتلع كل شيء! ولا تُبقي ذكرى واحدة لمن نختلف معهم في رأي أو موقف في حياتنا الاجتماعية والعملية.. 

‏كان ذاكرة "المحل" لزبائنه، مضيافاً.. بالطبع لم يُقدّم شيئاً بالمجان سوى لطفه وتباسطه الذي كلفنا -أنا وغيري- ثمن تذكّره، باهضاً!

‏كم الذين يعيشون بيننا على الهامش، وهم يدونون عناوين الأوقات! 

ثم تلتهمهم الأيام، ونكتشف غياب السطر العريض، الذي شاغلتنا عنه العجلة وعدم التروي وثقة الاستمرار.. 

‏رحم الله (حميد) ومن سار على دربه.. ومن يعاشر أمثاله بما يستحق، ومن يتذكّره "والذكرى تؤرّقه".

الجمعة، 19 أبريل 2024

رسالة إلى أخي الأكبر




إلى المولود المفقود في شجرة عائلتي..

إلى أخي الأكبر الذي لم تنجبه الأيام، إلى الآلام التي ما برحت تعبث في الأحشاء، إلى كل شيء تمنيته وحدث ما يعاكسه وأحدث حِرقةً في الوجدان..

إلى الهوّة العميقة التي بين الأجيال..

إلى الفضاء السحيق الذي ما يزال يملأه رفقاء الظلام والضلال والسوء..

إلى الفراغ العظيم الذي يمتد بحجم الأسئلة..

إلى أخي الكبير الذي ما زلت أفتقده، مع مرارات السنين، مع لوعات الزمان، مع عَبرات المواقف..

إلى أخي الذي شق طريقه بجانبه الأيمن، وأخذ يصحبني بيده اليسرى..

إلى أخي الذي سبقني إلى شغاف الحياة، ويأخذني إلى الأخذ بوصاياه..

إلى المحرومين من تلك الرُتبة، إلى المنسيين وسط تخوم متعددة من هذه المنزلة! 

إلى كل فؤاد موؤد.. وكل ودود مفؤود.. وإلى كل حالمٍ أعياه كل ظالمٍ في الوجود ..

يقولون إن الجراح تخمد كالبراكين كلما تقادمت، عبثاً حاولتُ أن أُصدِّقهم..

غير أن جرح افتقادك دوماً يناديني، ينادمني، كلما وقفتُ لحظة ساهمة انتظرُ فكرةً ملهمةً..

أو تجنّب منزلقٍ أو نجاة من سقر..

عبثاً أُحاول..

فكلما علّقتُ تميمتي في قريبٍ أو لصيق.. 

جاءتني الصيحة على شكل خذلان.. على هيئة سلوان.. على تماثيل متعددة بلا مبدأ، وتحمل عنوان: استيقظ ليس لك أخاً أكبر..!

قُمْ على نفسك، أنت لنفسك عَمَد ووتد.. 


الجمعة، 16 فبراير 2024

أسطورة الحبل السحري



    تنقلنا الأسطورة في الحكايات إلى عالم روحي آخر، يشع بالغرائب ويجود بالعجائب ويستمر بالدهشة التي تُحيّر العقول وتأسر القلوب، عدوها الأوحد كل عجول! 

في فلك الأساطير، التمايز على خط الانتشار، مرور القرون رحًى تُديرها على كفوف السائلين في كل عصر.. أسطورة عصرنا مازالت فتيّة، لا أحد يذكرها على الإطلاق بشيء من التطرّف في الوصف، تأخذ دور آخر العنقود.. تكاد تئدها الغيرة! فالأقل شأناً منها لها مزارات وطوابع وتماثيل تذكارية، تملأ رفوف الدور الثقافية، يبروزونها ويبرزونها الناس خلفهم على الحائط أو على طاولة بجوارهم في صورهم المُلتقطة، يقرأ رمزيتها من اطّلع على شواهق التأريخ ودهاليزه..

أسطورة هذا العصر، ينتقل الناس من خلالها في أمكانهم، وتلك الأساطير لا تفعل ذلك، ألا يحقُّ لها أنْ تنفعل؟! 

بل إنها أنشأت قِصصاً غرامية بين جنسين، وخلقت أجواءً مناسبة لتبادل المحبة، وعلى النقيض أوجدت مناخاً ملائماً للحروب الباردة، وتغلغُل القوى الناعمة! 

طائفة المؤمنين في كل الأديان لا يكفرون بها، ليست مارد جن ولا مادة إنس.. هي شيء لا يُشبه أي شيء، وشاخص لا يُرى.. وآثاره الأثيرة والوثيرة شاخصةً للعيان والبيان، تدس السمن في العسل وتدس السُمَّ في كل مذاق، لا تقتل، تُلوّث، وتمنح مزاجاً رائقاً في أكثر الأحوال، بحسب المورد والمصب، تنهال كعرافة تقرأ الكف، كمُنجّمة تقرأ الطالع، تومض، تُقلع، تحط أسفارها في كل بقعة! 

الخيل والليل والبيداء تعرفها -أو كما يقول الشاعر العربي الأصيل ذائع الصيت في القِدم، ويحيا كأسطورة رمزية غارقة في العراقة حتى عصرنا هذا- تربط البحار والقفار ببعضها، وتعبر بها ومن خلالها، غيابها يعني الخروج عن المألوف، تلك هي أسطورتها، بحضرتها يقترب كل ناءٍ بالبعد، تحمل العناوين والأسماء والأسفار والمعاجم والتراجم، والعرب والأعاجم، والأحجار الكريمة والتي بلا قيمة أيضاً، تحوي الإنسان من رأسه حتى أخمص قدميه مروراً بالعجان، بمعية كل الكائنات الحية وغير النابضة بالحياة، تحمل الشيء والوجه الآخر منه في ذات اللحظة مع المريدين والمستنكرين معاً، معها تشعر بأنّك وحيد ومَنْ حولك كآلهة كهنوتية، تحقق مبتغاك دون توسلٍ وعناء صرف عبادة.. ويعتريك شعور تموّجك مع الكثرة كأنك لاشيء، وإن أكبرت نفسك؛ فبالكاد تزن وجودك كحبة رمل وسط كثبان صحراوية مترامية الأطراف!

لا أحد يُصرّح بها عنوة، منذ أنْ أبرزت مفاتنها، تنفرد بمطالعي حكاياتها، يتعرّفون على عوالم في بلاد بعيدة، يتبايعون، يعقدون الصفقات، يقضون ليالي السمر.. 

عندما تتثاءب ينام العالم، وحين تسرع تسرق الانتباه، ومن قبحها في بعض الوقت تأخذ دور السلحفاة؛ ليحتل متفرجي متعتها الضجر وتخرج نتوءاتهم المنزعجة على السطح!

الرابط السحري، الحبل السري لعصب حياة القرن الواحد والعشرين.. شبكة الانترنت وبرامجها وتطبيقاتها، تأخذ مجراها الطبيعي كأسطورة حيّة، ولها أن تختال. 


الخميس، 8 فبراير 2024

وشمٌ على جدار الزمن

 



    العلاقات الطيبة، هي نور الأمل الباقي على الصعيد الشخصي، تتقدم السنين، ومن يطوي على صفحاتها الأثر الجميل، يجد نقوشها رحابةً في صدره، وزكاةً في نفسه، وأشرعةً من فياض.. وحياض من طمأنينة وسلام.
إنّ اللياقة الإيجابية تحتاج إلى دربةٍ ومران لتجتاح كل اليباس لتمنح الإخضرار .. 
من اليسير جداً، العبوس والاكفهرار والإعراض.. لكن الإقبال والبِشْر والتبسم، منهل الرسل العذب، منهج محفوف بأرتال من الأعباء، على أي حال كنت، فأنت ترسل رسالة عبر أزمنتك التي تحياها وتحيا بعدك ..
كم الذين عبروا خفافاً على الأنفس، وجعلوا الأريج يُخالط عطر طيفهم وذكرهم وذكرياتهم، وكم الذين أورثوا الحنظل والمرَّ والعلقم؟! .. ثمة مفارقة!
لا أحداً يريد لشخصه المورد السيئ، فالسيئ بذاته، يرى في نكاله وسواد أفعاله، الخمار الذي يستر عورات الناس!
أو هو مُحطّمُ أصنامٍ طال بها المقام كثيراً، أو يريد صولات الأسود (ولكنه نسي أنّه خارج قانون الغابة).. على أيةِ حالٍ، تتعدد الغايات والخلفيات التي انطلق منها ذاك العابث في النسيج الاجتماعي؛ ونكاد نجد ما يُتّفق عليه؛ أفضى إلى جادة الصواب، وانتهى! 
إذا كان الانتهازيون -في غالب أمرهم- لا يفرقون بين ما هو لائق وغير ذلك، سوى ما يُغذي أنانيتهم.. فإنّ المترفعون عن الدنى والخنى، هم سُراة الناس الذين يبذرون الصدق، ويحقنون النضارة في جسد شيخوخة الزمن، ويؤصلون التعامل، فهم الحضور في زمن التلاشي، والمثال الرفيع للخيط الأبيض بين نُدف الدنس، هم الصفح والصحِة والأحق بالصحبة والذكر. 

يقول الشاعر في الزمن الجاهلي، عدي بن زيد العبادي، في قصيدته التي مطلعها: (أَتَعرِفُ رَسمَ الدَّارِ مِن أُم مَعبِدِ)، اخترت منها: 

أَعاذِلُ ما أَدنَى الرَّشادَ مِنَ الفَتَى 
                                    وأَبعَدَهُ مِنهُ إذا لَم يُسَدَّدِ 
. . .
كَفَى زاجِراً لِلمَرءِ أَيَّامُ دَهرِه 
                               تَروحُ لَهُ بالواعِظاتِ وتَغتَدي
. . .
فَنفسَكَ فاحفَظها مِنَ الغَيِّ والخَنَى
                           مَتَى تُغوِها يَغوَ الَّذي بِكَ يَقتَدي
. . .
عَنِ الَمرءِ لا تَسأَل وسَل عَن قَرينِه 
                                  فكُلُّ قَرينٍ بالُمقارَنِ يَقتَدي 
. . .
إذا ما رأَيتَ الشَّرَّ يَبعَثُ أَهلَهُ 
                                وقامَ جُناهُ الشَّرَّ للشَّرَّ فاقعُدِ 
. . .
إذا كنتَ في قَومٍ فَصَاحِب خَيارَهُم
                    ولا تَصحَبِ الأَردَى فَترَدى مَعَ الرَّدي

الخميس، 23 فبراير 2023

الدرعية 1727م - 1139هـ

 



إنّ أكبر قضية نراهن عليها هي وطنية الشعب السعودي، بعد همّته، ذلكم الأفراد المحبون للحياة، في الذكرى السادسة والتسعين بعد المئتين. 

ذكرى مجيدة تُبعث للمرة الثانية (في عام 2023م) بعد مضي ثلاثة قرون تقريباً، مناسبة أوجدها قادة البلاد لاستحضار الأرواح والجهود والمراحل المُشكِّلة لعظمة البلد. 

تلك القصة التي بدأها الإمام محمد بن سعود في الدرعية، ليست خيطاً من وهم، ولا قطع طريق لشاب أغرته قوته. 

إنما هي -وكما اتضح لاحقاً- تكورت وتبلورت وتطورت وأصبح لعرب الجزيرة موطناً له راية نبعت من قلب الصحراء.. 

من حيث الأنفة والكبرياء والعدل والقوة والأحلام الكبيرة والرؤى العميقة.. 

دولة تتشكل بلا موارد تقيم صلب دولة، لكنها قامت على عزم وهمّة، وسقطت، ثم قامت فسقطت، ثم قامت ولا تزال -ولله الحمد والمنة والفضل- ثم بجهود الملك عبدالعزيز ورجاله، وابنائه الحُكام من بعده، وابناء الوطن المخلصين.. 

أسوق هذا الكلام، وأنا أرى في غرب البلاد -حيثُ أُقيم- التفاعل الشعبي المنطلق من ذاتية الفرد، وصور وفيديوهات تبثها مُعرّفات مواقع التواصل من نواحٍ شتى تتغنى بأمجاد قصة الدرعية تلك! 

قصة الدرعية، نمت وترعرعت في الرياض، وتبرعمت وتشكّلت لتعم الجهات؛ لتصبح المملكة العربية السعودية، لتمسي، لتظل، لتبقى، الوطن الراسخ في الأعماق، الذي ينتشي اعتزازاً بماضٍ تليد، وحاضر مجيد، ومستقبل يستمد من أصالته ما يُشيّد به الفخر على صروح العصر.

الأحد، 20 نوفمبر 2022

مونديال قطر مونديال العرب




بعد اثنين وتسعين عاماً من بدايتها، تنطلق النسخة الثانية والعشرين من كأس العالم (مونديال قطر 2022م) من بلدان العرب لأول مرة، ومن الخليج تحديداً، ونسخة ثانية لقارة آسيا بعد مونديال كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، وثالث مونديال خارج الأمريكيتين وأوروبا بعد مونديال جنوب أفريقيا 2010م.. والنسخة العالمية الأولى التي تضم منتخبين خليجيين "السعودية وقطر"، والبرازيل متفردة بالعلامة الكاملة.. وحدها لم تغب عن المحفل الكروي العالمي والحائزة الأكثر على الذهب! 
الفرصة مواتية لتحقيق ملحمة عربية في الأدوار الاقصائية، فالأرض والجمهور تتكلمان العربية بصوت جهوري، وكذلك الفرصة سانحة ليرتفع الزئير الأفريقي، والحضور الفاقع لونه من ممثلي القارة الصفراء، فأمام تونس والمغرب والكاميرون والسنغال وغانا من جهة، والسعودية وقطر واليابان وإيران وكوريا الجنوبية واستراليا من جهة أخرى، مساحة تاريخية لإبراز جغرافيا جديدة في كرة القدم.
هذا المأمول والأمل.. ولا يوجد عيباً في التلويح بالأماني!
ولا رهانات خاسرة في العرس المونديالي.. فالفوارق الفنية واضحة وجليّة، المنتخبات الأوربية أكثر صلابة، والأمريكية أكثر مهارة.. فيما الطموح الأفروآسيوي يجب أن يكون أكثر جسارة! 

دوح الختام:
دوحة الخير، دوحة آل ثاني وأهل قطر الكرام.. ستبهر العالم.



الجمعة، 7 أكتوبر 2022

الغِلال والأغلال والاستغلال


لقطة من مسلسل طاش ما طاش على شاشة mbc



    بعد حرب روسيا وأوكرانيا، وجد الجشعون مبرراً لارتفاع الأسعار غير ارتفاع مستوى أطماعهم، ارتفاع سعر الأعلاف! 
يرتفع سعر بسكويت النخالة أو التمر.. لا يُحرّكون ساكناً إلا بقول؛ الحرب رفعت أسعار الأعلاف! 
ويضيف أحدهم -وهو لا يرفع بصره عن حسابه المصرفي وقد انسدلت عمامته من خلف أذنيه- والملاحة العالمية في خطر! 
هُنا .. تجد نفسك في مشكلة مركبة وإصرار على تفاقمها، ما لها طب! 
خصوصاً ذاك الشبح الفتاك، شبيه أبو نزار في طاش ما طاش، خطر على السوق العالمية برمّتها..
ولو تُرِكَ لبعض تجارنا الحبل على الغارب، لأوجدوا ندرةً حتى في أوراق الفواتير وسوقاً سوداء لها أيضاً بذريعة احتراق الغابات! 
ولازلت أُحذّر من "شبيه صويحبي حسبي عليه" .. 
الذي يثير الشجن، أنّ الوفرة لم تصنع فرقاً في السعر لصالح المُستهلِك.. فقط أزمات متوالية تؤكد أو تشير إلى أزمة عالمية قادمة.. أو محتملة! 
يُشعرك أبو نزار وأقرانه أنهم تجّار من نوع نادر، ولولاهم لم تجد البضائع رديئة الصنع رواجاً.. تلك الحقيقة التي تزعجهم، لكنهم يصدحون بالصوت الشجي: "لكل شراي بضاعة وسوقي!".
نحمد الله أن تجارنا ليسوا ركائز أساسية في الصحة والتعليم.. وقد كفتنا وكفتهم خير ذلك وشره الدولة، وإلاّ تفشى الجهل والوباء والغلاء وانعدام الدواء، كلما أُطلِق صاروخ أو سقطت طائرة.. أو حتى وقعت مشاجرة جماعية! 
قاطعو طرق القوافل، تجار الطوارئ الذين يطربهم حِداء الأزمات، يجدون في الحرب والأعلاف نغمة جديدة بعد الجائحة والحظر، حتى يصادقون على المثل القائل: مجبر أخاك لا بطل!


الثلاثاء، 2 أغسطس 2022

سيّد الأدلّة


عام قمري جديد.. يا قمري!
يا عمري القادم بالأهلّة،
يا هلالاً يُطالعنا كلّما؛ 
تكلّمَ بالفصاحةِ في كَبِدِ السماء .. 
‏فيك الأحلام جمّة … 
كم فارقنا عزيزٌ من الأحبّة .. 
وظللنا نعدَّ النجوم، بكلِّ قراءات الوجوم 
وكم بقينا نُحصي بهاك! 
وقد باركتنا الليالي الحيّة، 
هنا وردةٌ وهنا خزامى وهناك فُلّة .. 
فأنت أيْهم يا قمراً حلّ بي: 
تريد ليالي الغزل؟ 
أم تريقنا بواكي المقل؟ 
أم تراوح بين مد وجزر.. الأخلّة؟!
.. ألا يا هلالاً من ولادته تُذاب الشموع!
ونقصُ على رؤياه شرائط الأمنيات ..
جدّ علينا بكاءً..
من شاخصات الفرح! 
يا فارس الأجنّة!
وشِيْحَ عنّا ابتسامات الهزائم، 
إنّا نذرناك تميمةً نُعلّقُ على استارها
سُعْدنَا وبُؤْسنا بوصفِكَ سيّد الأدلّة .. 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  • كُتبت بمناسبة العام القمري 1444هـ

السبت، 23 يوليو 2022

طمان اللحية والشارب



حين أقام المؤذن نداء الطهر لصلاة الظهر يوماً…، ساقني القدر ليمين الصف الأول خلف الإمام، في تلك الصلاة ضاق نفسي.. تنادوا أولئك الذين ثيابهم أسفل الركبة بقليل، شبان يتزاحمون ويفسحون لهذا وذاك من أصحاب المقاييس والمواصفات الخاصة حتى اختنق المكان، وامتلأ المسجد بالمصلين في الصفوف التالية ولا مجال للتراجع، من على يميني وعلى يساري لو لم يركعا ويسجدا لظننت أنهما من أعمدة المسجد، أو أنهم أخشبين قررا أن ينطبقاً على شخصٍ منهك من يومه العبوس.. قاده يومٌ جائر بالهجير ليستريح تحت التكييف، وبالتأكيد طلب الرحمة من قاضي الحاجات.
عرفت لاحقاً أنه مكاناً مُفضّلاً..
كان ذلك بعد أحداث تفجير الرياض عام 2003م بسنتين أو ثلاث ..
وكان قبل ذلك، بأواخر التسعينات الميلادية نشطت عملية استبدال الأشرطة الغنائية بشرائط دينية بمؤثرات الصدى والبكاء والعويل (أذكر كلما حاولت الاستماع لأحدها لا تلقى قبولي، فأقدّم الشريط لمنتصفه أو قرب نهايته وأعيد تشغيله ولا يعجبني، فأغلقه وأذهب لحال سبيلي) .. لم استطع التنازل عن الثلاثة الأشرطة التي أملكها ملكاً خاصاً ولم أفصح بأنّي من أصحاب الممنوعات، وبالطبع يوجد أشرطة مشتركة أخرى، الأول منوعات لمحمد عبده، والثاني ألبوم الدنيا حظوظ لراشد الماجد، تلقيته هدية من زميل لي في الصف، والثالث: شعبي لمزعل فرحان (ولشريط مزعل فرحان قصة مُزعلة، طلبت من أحدهم ممن كانوا يهيمون بعيسى الاحسائي، أن يبتاع لي أحد إصدارات فنان العرب محمد عبده، ولأنه لم يجد فأحضر البديل كما ذكر). مع الاستماع لما يبث في التلفاز (القنوات الفضائية، في حينها) والإذاعة، بشكل مقصود وعفوي.. تتهادى الموسيقى والألحان إلى وجداننا وتحلّق أحلامنا! 
وما نحن إلّا .. أبناء الظروف.. والأيام ..
‏أبناء السير والسكك ..
‏أبناء الحكايات والقصص ..
‏أبناء الأغنيات والأمنيات .. 
‏أبناء تعاقب الفصول الأربعة ..
وورثة الجينات.. وعوالق الطموحات ..
‏التي شكّلتنا على طبائعنا اليوم ..!

.. في تلك السنوات، يكفي لحصد القبول الاجتماعي الأعم، وليس جميع الجمع طبعاً، إعفاء اللحية وتقصير الثوب مع نفحة عود.. ويا حبذا ترك العقال .. 
وأن تستاك بالأراك، 
فيا سُرَّ ويا سعْد مَنْ رآك، 
سيخجل الحضور من بهاك.. 
وروعة لقاك! 

كانت علامات الصلاح والرشد، سواء كان حقيقياً أو مزيفاً! وما أكثر المزيفين الذي نالوا ما يبتغون وعادوا إلى ما ألفوا.. على أية حال كانت هذه الطريقة لنيل الثقة..!
في العقد المنصرم تقريباً، غاب هذا المظهر، لم نعد نلحظ ذلك.. أمست موجة ومضت!
لتثبت سمو امتيازاتك؛ يتوجب على الفرد عمل ما يستحق من أعمال تجارية، وظيفية، دراسية، اجتماعية.. مستمرة لا عابرة! 
مسألة.. التديّن الشكلي لم تعد تنطلي على أحد، لا تُضيف مزايا دنيوية، تجاوزها الزمن إن لم تكن زُهداً حقيقياً ووجه الله هو المقصود. 

الثلاثاء، 22 مارس 2022

المنفوش


الكثيرات يذهبن لعمل نفخ لأماكن معينة وشفط في أماكن أخرى من الجسد دون حاجة صحية في مسالخ تطبيبية تسمى عرفاً عيادات طبية، والكثير أيضاً... هذا صحيح! 
هذا ما تخبرنا به رسائل الإعلانات المباشرة وغير المباشرة، والتعامل اليومي، والشاشات الإلكترونية.. 
ولو كان لي من الأمر خيار؛ لأشرت إلى نفخ ذوي الأرواح المُتعبة التي فقدت طعم الحياة؛ ليعود بريقها.. ولكن كما تعلمون ليس لي في ذلك خيار ولا طماطم بطبيعة الحال! 
مشارط من تلك هي من جعلتنا نشاهد ناقة هيفاء، وبومة عنقاء، وسعلوة نجلاء.. وديوك رومية كفوفها محنّاة!
في السابق، إن ضاع طفلاً في أماكن التجمعات يجد الباحثون رابطاً في الشبه بينه وبين والديه.. اليوم وكأنهم أولادهم بالتبني! لم يعد يذهلنا هول التجني؟! 
تم العبث بخط سير الإنتاج، فأصبحت شجرة الفراولة تثمر بالحنظل.. 
تمهل قليلاً لترى مالا يستحق أن يُرى، وسط حفلات هرس الأجساد وتخميرها تلك، هناك فئة منتفخة نبذت نفسها قبل أن ينبذها الآخرين، لم تكن كوم اللحم الذي يُجمّل ولا اليد الناحتة فيه، نفخت نفسها عنوة، ليست بالوناً كبيراً فتطير في الهواء، ولا صخرة كبيرة تثبت على الأرض.. ولم يبقوا على طباعهم.. لم يأتِ لجنابهم أو جنابتهم أو جنايتهم منفاخ البنشري "فتاح" ولا حقن الدكتور مراد..
هي عدة عقد نفسية تضخمت، حتى ظن بعض الطين أنه أغلى من كل الطين الذي حوله .. 
ما أكثر الوحل! وما أكثر الموحلين! وما أكثر الذين في عمقٍ أسوأ! 
تبقى تلك الفئة المحتقنة محرومة من التقدير، متضورة دائماً للمكارم، بائسة وإن ضحِكت، متورمة وإن تجهمت.. مبتورة وإن وصلت!

المنتفخون المنتفشون.. من اللاشيء سيعودون لـ (اللاشيء) بلا أي شيء!


الخميس، 17 مارس 2022

على طاولة المقهى

 


في المقهى 
زهرة .. 
تشرب قهوة!
تفتح رحيق الفكرة ..
تشعل صبوة !
تُلْقي من لهفتها نظرة ..
تكيل لرفيقها باقات من الكلمات ..
 
حال بيني وبينها وغدٌ أجوف!
رأسه كالبرميل 
أنفه كالازميل  
يرتدي نظارة "كالدربيل"
سدَّ منافذ الحياة !
لو ذهب للمشاعر لحسبه الحجاج شيطان المشاعر ..! 
وجاء رفيقه يتبعه، يجر غباه … 

.. ثم قاربتني قطاة 
شعرها مجدول وعليها لثام 
تزيد الأثام 
تقص على ثلاثتهن فكرة.. وتوزع بسمة.. وترفع خصلة
آية الجمال وحسنه.. 
وأنا معصوب الرأس ؟! .. 

.. فأصبحا القبيحان يتوسطان الجمال !
من دونهما 
ورد وقفطان !
ويعقبهما زهر وريحان .. 
يا لسذاجتهما كانا كوجع الحرب على وجوه الأوكرانيات .. 


.. 


على طاولة المقهى كانت كل حكايتنا، 

عند الانتظارات، 

تختلط القهوة بالشاي والضحكات.. 

اقرأ ما سلف وتمتم بعبارة؛ 

يخلفُ الله على أصحاب العواطف بالكلمات .. 

ربِّ أكرمني وأكرمهم بالمليارات من الدولارات

ومَنْ مِثل حمدان ؟!

  حتى الذين يعادوننا دون سبب لا نتمنى لهم الموت، فكيف يفعل بنا خبر موت من يطّوقنا نُبْله ويشتاق إلى لقائنا كلّ مدّة، ومن أجل رؤياه -بلا سبب-...